المربع الروائي فـي "المنطقة الخضراء"

المقاله تحت باب  منتخبات
في 
04/12/2009 06:00 AM
GMT



بصدور رواية "المنطقة الخضراء" يكون شاكر نوري قطع شوطاً لافتاً للنظر في متوالياته الروائية الجديدة التي يراقب فيها تحولات المجتمع العراقي عبر عقوده الأربعة الأخيرة، في محاولة للوصول الى تفسيرات فلسفية وفكرية أحاطت بالواقع،

وأوصلته الى نهايات مفترضة وواقعية، وبين الإفتراض والواقع تدور متواليات نوري الروائية، ولعل أبرزها رواية "المنطقة الخضراء" فهي الأحدث في رؤيته لواقع مثقل بالأحداث الطويلة.. المنطقة الخضراء في هذه الرواية تمثل الزمان والمكان والرمز والواقع في وحدة تكاد تكون متتالية، تربطها مقاربات واقعية وافتراضية ليست بعيدة عن الواقع كلياً، متشكلة من أحداث يومية وفي مربع متوازي الأضلاع تماماً. زواياه مفتوحة تستوعب الكثير من حيثيات ما يجري في هذه المنطقة من توترات نفسية متضامنة وغير متضامنة لجنود وجنرالات ومترجمين وهامشيين آخرين ؛ أمريكيين وعراقيين وجنسيات أخرى، عبر موسيقى الراب الأمريكية والمراقص والأغاني وأقداح البيرة، وهي المعادِل لجرس الحرب والموت والإنفجارات والعبوات. هذا التشكيل غير المتجانس هو ما تسعى إليه الرواية في حصيلتها الأخيرة ومن خلاله تنفذ الى سياقات الأحداث المتسارعة في منطقة تفترعها كل مفردات الخوف والقلق واحتباس الأنفاس والترقب لنهايات غير مُسرّة بطبيعة الحال. زوايا مربع الرواية كل زاوية من مربع الرواية له قصة وذاكرة ؛ فالزمان هو ما تلا عام 2003 حتى اليوم، والمكان هو بغداد التي تقلصت الى "المنطقة الخضراء" والرمز هو الإحتلال الأمريكي والواقع هو أرضية الوطن في المنطقة الخضراء وأرضية الرواية بشكلها الكامل. هذه الزوايا المتضامنة في النسيج الروائي انضمت الى بعضها في بؤرة واحدة لتكون "المنطقة الخضراء" في عملية اختزال قسرية حتمتها ظروف عسكرية داخلية من جهة وظروف خارجية من جهة أخرى كانت ضاغطة، وربما هي فوضوية في أحيانٍ كثيرة. ومن ثم كانت هذه المساحة هي الميدان الرئيسي لمخطط الرواية وهدفها العام. واقعياً تم اختزال المكان الى مسمى معروف فضاقت زاويته، فيما تمددت زاوية الزمان من المربع الى وقت مجهول، بينما بقيت زاوية الرمز مفتوحة، على أن زاوية الواقع هي التي باتت الأكثر انفراجاً وتمدداً، لتكون المهيمن الأول على كل زوايا الرواية، ومنها حصراً انطلق البناء الروائي في لعبة الشد والجذب بشخصيات كثيرة تفاوتت نسب حضورها في هذه الزاوية أو تلك، لتصبح الرصيد الشخصي لشاكر نوري وهو يكتب من المنطقة الخضراء رواية تثير شيئاً غير قليل من الإشكاليات الفنية والفكرية معاً. (1) سيواجه شاكر نوري جملة من المتاعب الفنية والواقعية، كان في غنى عنها، لو "صنع" روايته بقصدية فنية لا قصدية واقعية ؛ فالواقع هنا ينتج الفن لا العكس وهذا ما لم ينظر إليه المؤلف، والمنطقة الخضراء مكاناً وزماناً هيمنت على النص الروائي بوصفها واقعاً له ملامح معروفة، ففقدت التماعات فنية كثيرة، فشاكر نوري لم يجردها من الروح الواقعية، بل أبقاها سائبة كمحور جاذب لشخصياته التي تتحرك في مربع وصفناه بزواياه المختلفة، وهي الزوايا التي تتمدد أو تنحسر حسب الوظيفة الاجتماعية وبالتالي الوظيفة السياسية. ولهذا كانت الرواية تعاني من دمج هذه الوظائف ونتائجها فيما بعد. عملياً تم تجميد الزمان تقريباً إلا من إشارات بسيطة لتحريكه الى الماضي، في محاولة لرسم ما كانته بعض الأماكن في المدينة، كوسيلة معرفية إرشادية، فالزمان هو الحاضر في تفصيلاته المرتبكة وتحريك بُعده الماضي بغرض الإستفادة من معطياته السابقة لن يكون له تأثير كبير على مجريات واقع الرواية وزمانها الحاضر ؛ وبالمقابل تم تحريك المكان بطريقة مُلحّة كونه حاضنة الرواية وحاضنة الشخصيات. على أن تحريك الرمز تم بطريقة الخضوع للواقع ومتطلباته الميدانية، لذلك لم يكن الرمز ذا أثر في بنية النص عموماً، فكل شيء مكشوف في تلك الحاضنة، وحتى الإستعانة بأغاني الراب الأمريكية ذات المنحى الشعري ابتعدت عن الرمز ودخلت في تضاعيف الواقع من مداخل مباشرة. وبقيت فسحة الواقع هي الأكثر تأثيراً في مستقبل الكتابة الروائية لهذا النص. (2) نقرر سلفاً أن "المنطقة الخضراء" رواية قام تشكيلها الفني على قصدية معرفية واقعية. وسوف أتجنب قصدية المؤلف في الوصول الى هدفه الإفتراضي لأنه هدف سائب غير محكم وغير مهم بالنتيجة.لكن القصدية المعرفية بنوعها الاستعراضي خلخلت مربع الرواية القائم على وحدات متصلة في الزمان والمكان والواقع والرمز، ومنحت فرصة زاوية على حساب أخرى، وبالنتيجة كان هذا المربع ينضغط تارة ويتراجع تارة أخرى في هيمنة كلية من زاوية الواقع على حساب بقية زواياه لا سيما زاويتا الرمز والمكان ؛ إذ فلتتا من قبضة السرد كثيراً منزاحتين لزاوية الواقع الذي أخذ يتقدم كثيراً ويفصح عن أهدافه بصورة متطابقة عما يجري على مسرح الحدث، عبر حكاية أو حكايات مالوفة في الزمن الروائي الواقعي بتشكله الجديد بعد عام 2003 فهو زمن مفتوح على الحاضر والمستقبل واقعياً، ويكاد ينسلخ عن الماضي لولا تدخل المؤلف بين الحين والآخر بمحاولته إيقاد جذوته المنطفئة لغاية مفهومة في سياق الرواية، وعادة ما تخفق تلك المحاولة كثيراً فشاكر نوري يبتغي إيجاد تضادات واقعية صادمة بين لغة الأمس ولغة الأمس، لكنه لا ينجح كثيراً، فالأمس لا يزال قائماً واقعياً بتبعاته السلبية المختلفة، واليوم متشكل من عقدة الأمس ويجري بسرعة متناهية صادمة هي الأخرى بتجلياتها العديدة مهما بلغت من السوء، لا لأنها تجري ضمن قواعد لعبة سياسية حسب، إنما وجدت حاضنتها في الواقع أيضاً ونمت فيه في زمن قياسي، طاوية بذلك حقبة معينة مرصودة من جانب الرواية بعناية ومبثوثة هنا وهناك على مدار السرد كرديف يسير مع الزمن الجديد ويذكّر به. هنا تكمن إحدى إشكاليات الرواية وهي تعاطي زمنين مختلفين نفسياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً وواقعياً مرة واحدة، ولما كان المؤلف يتوخى إمكانية تغليب زمن على زمن بتقسيمه على ناتجه رياضياً، فإن المعادلة المنتهية بترتيبها الحسابي هي معادلة فردية، ربما هي غير قادرة على إقناع المتلقي بنتيجتها كفعل أخير، وقد تكون نافعة حقاً لفيلم سينمائي قادر على تثوير حماسة الجمهور، لكنها في الفعل السردي تشكل خللاً بنائياً لم يحسن الكاتب تبريره كثيراً ؛ وهنا أتحدث عن العام في الرواية لا الخاص منها ؛ فالفردانية البطولية حتى وأن وقفت على أرضية واقعية اجتماعية، تشكل عائقاً فنياً لمسار الرواية، ولو زخر الواقع في الكثير منها، وشهدت الساحة العراقية عبر ست سنوات الكثير من الفعل الفردي الإنتحاري، وقد يرى الكثيرون، حتى الذين يختلفون معه منهجاً وسلوكاً، يرون أنه فعل بطولي فردي محض، فالموت عن طريق الانتحار وتفخيخ الجسد هو خلاصة نفسية قائمة على سلوك فرداني خرج عن زمنه وآلياته الشخصية والتحق بمعانٍ غامضة ليس من السهولة الوصول الى حكمتها وتجلياتها الخاصة، مهما كانت المدركات الحسية وغير الحسية التي يمكن لنا أن نتبناها في محاولة الوصول الى هذا اللغز من بابه الديني المقدس أو غير الديني الوهمي. الإفتراضي. ولأن "المنطقة الخضراء" تبنت هذا النوع من الموت في نهايتها، فقد وقعت الرواية في مطب الدعاية قبل بلوغ الكمال الممكن فيها، وتبنت نظرية خرافية في فلسفتها ولم تفسرها، بل تعاملت معها كما هي، فلم تكن متماهية مع درجتها الأخيرة من القرار ؛ فإذا كان الموت بطريقة الانتحار خلاصاً، فهو خلاص فردي بالنتيجة ولا يشكل عائقاً حقيقياً كفعل مقاوِم كما أراده شاكر نوري، إنما هو سلوك فرداني غريب الى حد كبير وهو فعل طارئ على المشهد الاجتماعي العراقي كما يعرف، لأنه سينتهي دون أن يحقق الغرض الطقسي الغيبي الذي يفترضه. " يتبع